العشر الأوائل من ذي الحجّة : الفضائل الثابتة بالسنّة
العشر الأوائل من ذي الحجّة : الفضائل الثابتة بالسنّة
في كلّ عام، ومع ظهور هلال شهر ذي الحجّة، يدخل المسلم موسمًا مباركًا. والعشر الأوائل من ذي الحجّة من أحبّ الأيّام إلى الله ﷻ بدلالة السنّة الصحيحة عن النبيّ ﷺ. وتُتوَّج هذه الأيّام بمحطّتين عظيمتين : يوم عرفة، وهو من أعظم أيّام السنة، وعيد الأضحى، ذكرى ابتلاء إبراهيم عليه السلام.
في هذا المقال، نعرض الفضائل الثابتة لهذه العشر من الكتاب والسنّة، والأعمال المستحبّة التي دلّ عليها السلف الصالح، وأحكام الأضحية، والأخطاء الشائعة التي ينبغي تجنّبها. وكلّ الأدلّة موثّقة على منهج أهل السنّة والجماعة.
1. لماذا هذه العشر عظيمة؟
1.1 آيات من القرآن
أقسم الله ﷻ في كتابه بهذه الأيّام المباركة. قال تعالى في سورة الفجر، بمعناه :
«وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ»
(سورة الفجر، الآيتان 1-2)
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره : إنّ المراد بـ«ليالٍ عشر» هي العشر الأوائل من ذي الحجّة. وقد ثبت هذا عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عبّاس رضي الله عنهما، وقرّره كبار المفسّرين.
وقسم الله ﷻ بهذه الليالي دليلٌ بذاته على عظمها، إذ قرّر أهل العلم أنّ الله ﷻ لا يقسم إلّا بعظيم.
1.2 الحديث الأصل
أثبت النبيّ ﷺ تفضيل هذه الأيّام بوضوح :
«ما من أيّامٍ العملُ الصالح فيهنّ أحبّ إلى الله من هذه الأيّام، يعني العشر».
قالوا : يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال : «ولا الجهاد في سبيل الله، إلّا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».
رواه البخاريّ في صحيحه.
هذا الحديث ركيزة المقام. وفيه أنّ العمل الصالح في هذه العشر أحبّ إلى الله ﷻ من العمل في سائر السنة، حتّى من الجهاد في سبيل الله، إلّا الحالة المستثناة المذكورة في الحديث.
1.3 المقارنة مع العشر الأواخر من رمضان
يَرِد سؤال متكرّر : أيّهما أفضل، عشر ذي الحجّة الأُوَل أم عشر رمضان الأواخر؟
أجاب ابن القيّم رحمه الله في زاد المعاد بجوابٍ نفيس : أيّام عشر ذي الحجّة أفضل من جهة يوم عرفة وعيد الأضحى، ولياليه عشر رمضان الأواخر أفضل من جهة ليلة القدر. فالموسمان عظيمان لأسباب مختلفة ومتكاملة.
2. الأعمال المستحبّة في هذه العشر
فصّل علماء السلف، ومنهم الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الفوزان، الأعمال المستحبّة في هذه العشر. وفيما يلي أهمّها.
2.1 صيام التسع الأُوَل
صيام التسع الأُوَل من ذي الحجّة مستحبّ بقوّة. واليوم العاشر (يوم عيد الأضحى) لا يُصام، وكذلك أيّام التشريق الثلاثة بعده، إلّا في حالات استثنائية للحاجّ المحصور.
وصيام اليوم التاسع، وهو يوم عرفة، أعظم صيام العام لغير الحاجّ. قال النبيّ ﷺ :
«صيامُ يومِ عرفةَ أحتسبُ على الله أن يكفّر السنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه».
رواه مسلم في صحيحه.
وأمّا الحاجّ الواقف بعرفة في ذلك اليوم، فإنّ صيامه غير مستحبّ، حتّى يتفرّغ للذكر والدعاء والوقوف.
2.2 التكبير والذكر
من أحبّ الأعمال في هذه العشر : الإكثار من التكبير (الله أكبر)، والتحميد (الحمد لله)، والتهليل (لا إله إلّا الله).
وقد جاء في مسند الإمام أحمد ما يدلّ على حثّ النبيّ ﷺ على الإكثار من التهليل والتكبير والتحميد في هذه الأيّام.
ويُفرَّق في ذي الحجّة بين نوعين من التكبير :
التكبير المطلق : من اليوم الأوّل إلى الثالث عشر من ذي الحجّة، في كلّ وقتٍ من ليلٍ ونهار، لا يتقيّد بصلاة. وهذا يُمارَس طوال العشر.
التكبير المقيّد : من فجر يوم عرفة (التاسع من ذي الحجّة) إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر، عقب كلّ صلاة مفروضة مباشرة.
والصيغة المنقولة عن الصحابة، ومنها ما رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه :
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
تُقال هذه الصيغة ذكرًا فرديًّا، من غير تكلّف الجوقة الجماعية ولا الاحتفال المُحْدَث.
2.3 تلاوة القرآن
من أحبّ الأعمال إلى الله : الإكثار من تلاوة القرآن. والقليل المداوَم عليه أفضل من ختمات متعجِّلة بلا تدبّر.
قال النبيّ ﷺ :
«أحبّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ».
رواه البخاريّ ومسلم.
2.4 الصدقة
الصدقة، ولو يسيرة، من أحبّ الأعمال المستحبّة. والمداومة أهمّ من الكمّ.
قال الله ﷻ بمعناه :
«مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ».
(سورة البقرة، الآية 261)
2.5 صلة الأرحام
صلة الأرحام من أحبّ الأعمال. زيارة الأقارب، أو الاتّصال بهم، والعفو، والإصلاح بين الناس، أعمال يسيرة عظيمة الأجر.
2.6 الأضحية
الأضحية من أبرز شعائر ذي الحجّة. وتُؤدَّى يوم عيد الأضحى (العاشر من ذي الحجّة)، وفي أيّام التشريق الثلاثة (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر). وسنفصّل أحكامها في الفقرة التالية.
2.7 جميع أعمال البرّ
ذكر حديث البخاريّ «العمل الصالح» مطلقًا، فلم يقصره على نوعٍ بعينه. فكلّ عمل بِرّ يُؤدَّى بإخلاص في هذه العشر يُضاعَف :
- برّ الوالدين
- عيادة المريض
- طلب العلم الشرعيّ
- تعليم القرآن للأبناء
- تحسين الخلق
- الاستغفار
3. أحكام الأضحية
3.1 الحكم الشرعيّ
الأضحية سنّة مؤكّدة على المستطيع عند جمهور أهل السنّة. ومن العلماء من ذهب إلى وجوبها على المستطيع.
ورجّح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أنّها سنّة مؤكّدة، ومع ذلك نبّه إلى أنّ من تركها بلا عذرٍ مذمومٌ.
3.2 شروط الذبيحة
ليصحّ الذبح، تلزم في الذبيحة شروط فصّلها الشيخ ابن عثيمين في أحكام الأضحية والذكاة :
- النوع : غنم، أو معز، أو بقر، أو إبل.
- السنّ : ستّة أشهر للضأن، سنة للمعز، سنتان للبقر، خمس سنوات للإبل.
- السلامة : خاليةً من العيوب الجلية (عرج بيّن، مرض ظاهر، عور بيّن، هزال شديد).
- الملكيّة : أن تكون مِلكًا للمضحّي.
3.3 وقت الذبح
يبدأ وقت الذبح بعد صلاة العيد، لا قبلها. قال النبيّ ﷺ :
«من ذبح قبل الصلاة فليُعِد».
رواه البخاريّ.
ويمتدّ إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجّة، أربعة أيّام في الإجمال (يوم العيد وأيّام التشريق الثلاثة).
3.4 حكم من أراد أن يضحّي
ثبت في صحيح مسلم عن أمّ سلمة رضي الله عنها أنّه إذا دخل عشر ذي الحجّة وأراد أحدكم أن يضحّي، فليُمسك عن شعره وأظفاره حتّى يُضحّي.
والمعنى : من أراد أن يضحّي امتنع عن قصّ شعره وقصّ أظفاره من أوّل ذي الحجّة حتّى يذبح أضحيته. وقد صحّح الحديث الشيخ الألبانيّ رحمه الله.
3.5 توزيع اللحم
دلّت السنّة على استحباب قسمة اللحم ثلاثة أقسام :
- قسم للأهل
- قسم للأقارب والأصحاب
- قسم للفقراء
وهي قسمة مستحبّة لا واجبة، اقتداءً بالنبيّ ﷺ.
4. يوم عرفة (التاسع من ذي الحجّة)
اليوم التاسع من ذي الحجّة من أعظم أيّام السنة. فيه يقف الحجّاج على جبل عرفة، وفيه أنزل الله ﷻ كمال الدين.
قال تعالى بمعناه :
«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا».
(سورة المائدة، الآية 3)
نزلت هذه الآية يوم عرفة في حجّة النبيّ ﷺ الأخيرة.
4.1 للحجّاج
يقضي الحجّاج اليوم في الدعاء والذكر والتلاوة. قال النبيّ ﷺ :
«خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيّون من قبلي : لا إله إلّا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيءٍ قدير».
رواه الترمذيّ، وصحّحه الألبانيّ.
4.2 لغير الحجّاج
لغير الحاجّ، صوم يوم عرفة مستحبّ بقوّة، لقوله ﷺ :
«صيامُ يومِ عرفةَ أحتسبُ على الله أن يكفّر السنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعدَه».
رواه مسلم.
والأعمال الأخرى المستحبّة لغير الحاجّ في يوم عرفة :
- الإكثار من الدعاء، لا سيّما بعد العصر وقبل غروب الشمس
- تلاوة القرآن
- التكبير
- الصدقة
- الاستغفار
5. أخطاء شائعة ينبغي تجنّبها
5.1 إحداث بدع في الموسم
العشر الأوائل من ذي الحجّة ليست موسم احتفال بِبدع دينية. فلا اجتماعات مخصوصة مُحْدَثة، ولا قيام جماعيّ مُبتدَع، ولا شعائر لم ينقلها النبيّ ﷺ.
كلّ بدعة تُحدَث في هذا الموسم مردودة، لقوله ﷺ :
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ».
رواه البخاريّ ومسلم.
5.2 الخلط بين التكبير المطلق والمقيّد
كثيرٌ من الناس يخلط بين النوعين، أو يكبّر جماعةً بصوت واحد عقب كلّ صلاة من أوّل ذي الحجّة، وهذا لا يطابق السنّة الصحيحة. تذكّر : التكبير المطلق على مدار اليوم في العشر، والمقيّد عقب الصلاة المفروضة من فجر يوم عرفة إلى عصر اليوم الثالث عشر.
5.3 تفويت يوم عرفة
يوم عرفة من العِظَم بحيث يكون تفويته خسارة كبيرة. فصومه لغير الحاجّ من أرجى الأعمال في السنة.
5.4 قصّ الشعر والأظفار قبل الذبح
من المضحّين من يغفل عن حكم الإمساك عن قصّ الشعر والأظفار من أوّل ذي الحجّة إلى الذبح. وهي سنّة ثابتة في صحيح مسلم.
5.5 الذبح قبل صلاة العيد
الذبح بعد صلاة العيد دائمًا، لا قبلها. وهو شرط صحّة واضح في السنّة.
6. كيف يرافقك دين كوتش في هذه العشر
صُمِّم تطبيق دين كوتش لمرافقة المسلم في هذه العشر بهدوء، من غير ضوضاء ولا تسويق عاطفيّ.
في التطبيق تجد :
- التقويم الهجريّ المدمج، مع تمييز أيّام ذي الحجّة والمحطّات الكبرى.
- أذكار الصباح والمساء اليوميّة وعدّاد التسبيح للإكثار من الذكر.
- القرآن الكريم كاملاً بقراءة حفص عن عاصم من طريق الشاطبيّة.
- أدعية يوم عرفة المستحبّة.
- مواقيت الصلاة بحسب الموقع، حتّى لا تفوتك الجماعة.
لا إعلانات، ولا جمع بيانات، ويعمل بلا إنترنت. والمنهج الشرعيّ ثابت في كلّ وقت.
الخاتمة
العشر الأوائل من ذي الحجّة، بصريح كلام النبيّ ﷺ، من أعظم مواسم العام. أقسم الله ﷻ بليالٍ منها في كتابه، والعمل الصالح فيها أحبّ إلى الله من العمل في سائر الأيّام.
اغتنمها بالإخلاص لا بالكثرة. صفحة من القرآن تُقرأ بتدبّر خيرٌ من عشر صفحات تُمَرّ. تكبيرة بحضور قلبٍ خيرٌ من ألف تكبيرة بغفلة. صدقة يسيرة دائمة خيرٌ من عطاء واحد للعرض.
نسأل الله ﷻ أن يتقبّل منّا، وأن يرزقنا الإخلاص والمداومة، وأن يبلِّغنا يوم عرفة وعيد الأضحى في رحمته.
أسئلة متكرّرة
متى تبدأ العشر الأوائل من ذي الحجّة؟
أوّل ذي الحجّة يُحدَّد برؤية الهلال، أو بالحساب الفلكيّ الرسميّ في بلدك، وقد يتأخّر يومًا أو يتقدّم حسب الجهة المعتمدة.
هل صوم العشر واجب؟
لا، الصيام مستحبّ في التسع الأُوَل، وأعظمه يوم عرفة. واليوم العاشر (عيد الأضحى) لا يُصام.
ما الفرق بين التكبير المطلق والمقيّد؟
المطلق في كلّ وقت خلال العشر. والمقيّد عقب كلّ صلاة مفروضة، من فجر التاسع من ذي الحجّة إلى عصر الثالث عشر.
هل أذبح بنفسي أم يجوز التوكيل؟
يجوز توكيل جهةٍ موثوقة، لا سيّما لمن لا يستطيع الذبح بيده. شرط أن يقع الذبح في الأيّام المعتبَرة شرعًا.
ماذا أفعل إن لم تكن لي قدرة على الأضحية؟
الأضحية سنّة على المستطيع. فإذا لم تستطع، فلا حرج عليك، واجتهد في غيرها من الأعمال (الصيام، الذكر، التلاوة، الصدقة بحسب الطاقة).
هل يجوز التكبير جماعةً بصوت واحد؟
التكبير ذكرٌ فرديّ. والاجتماع عليه بصوتٍ واحد على وجه الاحتفال لم ينقله السلف. فيُقال بصوت مسموع في البيت أو في الطريق إلى المسجد، من غير جوقة منظَّمة.
والله أعلم.
المصادر
- Coran, sourate al-Fajr (89:1-2)
- Coran, sourate al-Māʾida (5:3)
- Coran, sourate al-Baqara (2:261)
- Ṣaḥīḥ al-Bukhārī (ḥadīth sur les œuvres pieuses durant les dix jours de Dhul-Hijjah)
- Ṣaḥīḥ al-Bukhārī (ḥadīth sur le sacrifice et la prière de l'ʿĪd)
- Ṣaḥīḥ Muslim (ḥadīth sur le jeûne du jour d'Arafat)
- Ṣaḥīḥ Muslim (ḥadīth de Umm Salama sur les cheveux et les ongles)
- Sunan al-Tirmidhī (ḥadīth sur la meilleure invocation du jour d'Arafat)
- Musnad al-Imām Aḥmad (ḥadīth sur le tahlīl, takbīr et tahmīd durant les dix jours)
- Ṣaḥīḥ al-Bukhārī et Ṣaḥīḥ Muslim (ḥadīth sur la bidʿah et sur les actes réguliers)
- Tafsīr Ibn Kathīr (sourate al-Fajr)
- Tafsīr al-Saʿdī (sourate al-Baqara)
- Ibn al-Qayyim, Zād al-Maʿād
- Ibn ʿUthaymīn, Aḥkām al-Uḍḥiya wa-l-Dhakāt
- Al-Albānī, Ṣalāt al-ʿĪdayn
- Majmūʿ Fatāwā Ibn Bāz